محمد راغب الطباخ الحلبي
370
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
تقرط سمعي بفرائدك ، وتملأ صدفة أذني بلآلي فوائدك ، من أدب أغزر مادة من الديم ، وأنشط للقلب من بوادر النعم . ولقد يعز علي أن ألفي بعيدا عنك ، متروك الذكر منك ، ولكن هو الدهر ، وعلاجه الصبر . فصبرا على الأزمان في كل حالة * فكم في ضمير الغيب سر محجّب وربما تخالج في صدري ، لرعونة أوجبها طلب ازدياد قدري ، أن يشرفني بمكاتبة ، ويؤهلني إلى مخاطبة ، جريا على معروفه المعروف ، وطمعا في اغتنام كرمه الموصوف ، حتى أباهي بكلمه الزمان ، وأجعلها حرز الأماني والأمان ، وأظنه يفعل ذلك متفضلا ، لا برح لكل إحسان موئلا . فكتب إليّ في الجواب : نحن عفنا الشهباء شوقا إليكم * هل لديكم بالشام شوق إلينا قد عجزتم عن أن ترونا لديكم * وعجزنا عن أن نراكم لدينا حفظ اللّه عهد من حفظ * العهد ووفّى به كما وفّينا اللهم جامع المحبين بعد البين ، ومعين القوي على ألم النوى وما جعل اللّه لرجل من قلبين ، أسألك بما أودعته في سرائر المخلصين من أسرار المحبة ، وأنبت في رياض صدورهم من المودة التي هي كحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، فارع فرع الشجرة المحبية وأصلها ، وأفض عليها فواضلك التي كانوا أحق بها وأهلها ، واحفظ اللهم هاتيك الذات الزكية التي رؤيتها أجل الأماني ، ونوّر تلك الصفات التي إذا تليت تلقتها الأسماع كما تتلقى آيات المثاني . هذا وما الصب إلى الحبيب ، والمريض إلى الطبيب ، بأشوق مني إلى تلقي خبره ، واستماع ما يفتخر به الركبان من حسن أثره ، وما غرضي من عرض الأشواق ، التي ضاقت عنها صدور الأوراق ، إلا تأكيد لما يحيط به علمه المحترم ، وتشنيف لمسامع اليراع بذكر صفاته التي تطرب فيترنم بألطف نغم . ولقد كنت أتوقع زيارته لما قدم من البلدة النجرا ، فثنى عنان الإعراض وأجرى جواد الأنبرا . وما هكذا كنا لقد كان بيننا * معاملة عن غير هذا الجفا تنبي هذا وضمير الأخ أنور من أن يضيء « * » بمصباح الاعتذار ، وأعلم بصدق المحبة في حالتي
--> ( * ) في خلاصة الأثر : يستضيء .